تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٩ - الركن الخامس فيما يستعاذ له
الركن الخامس فيما يستعاذ له
و هي العلّة الغائية للاستعاذة إي المطالب التي لأجلها يستعيذ الإنسان باللّه و كلماته مما هو شرّ و وبال له. و اعلم إن الإنسان ممّا فطره اللّه بحيث يكون فيه استعداد كل صفة و حال و أهليّة كل فضيلة و كمال و ما من شرف و فضيلة و كمال إلا و في الإنسان قوة ذلك و أصله و فيه بذره ٢ و استعداده في أول أمره و مبدأ تكوّنه.
و ذلك لسرّ إلهى و فطرة ربّانية مودع في مهيته و مبدع في فطرته الأصلية. و أما إذا مرّت عليه أحوال و دهور و مضت عليه سنون و شهور، فإما أن يخرج بعض هذه الكمالات أو كلّها من القوة إلى الفعل أو يخرج مقابلاتها و أضدادها كلّا أو بعضا من القوّة إلى الفعل [١]. إذ له قوّة على كل شيء و قوة [٢] أيضا على مقابله و ضدّه.
هذا ما دام في هذا الكون الدنياوي. و أما إذا خرج من الدنيا فقد بطلت قوّته و زال استعداده فهو إمّا سعيد بالفعل أو شقيّ بالفعل.
فإذا تقرّر هذا علم إنّ مطالب الإنسان ٣ غير متناهية و مقابلاتها غير متناهية، يجب عليه أن يستعيذ لأجل كل مطلوب مما يعوقه عنه و يمنعه سواء كان وجوديّا أو عدميّا. فلا خير من الخيرات إلّا و هو يحتاج إلى تحصيله و لا شرّ من الشرور إلا و هو يحتاج إلى دفعه منه و إبطاله و ذلك في أوائل نشؤه و مبادي كونه. و أما عند رسوخ بعض الصفات و الأخلاق و تأكّد ضرب من الملكات فليس كذلك. و لهذا لا ينفع التعويذ و التحذير لبعض الناس كما لا ينجع لهم الدعوة و التأديب و الإرشاد و التهذيب لبطلان قوتهم و زوال استعدادهم لجانب الفضيلة و الكمال لتكرر أعمال قبيحة صدرت منهم تعدّ لنفوسهم هيئة مضادّة لها من باب الرذيلة و الوبال. كما قال مخاطبا لمن هو مبعوث لهداية الخلق و تهذيبهم و إرشادهم- عليه و آله الصلوة و السلام: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [٢٨/ ٥٦] و
(١- ٢) ن: إذ القوة على كل شيء قوة.